98ويوم عاشوراء من الأيّام المشهودة التي تمرّ علينا كلّ عام منذ استشهاد الحسين الخالد في العاشر من محرّم الحرام، وما يزال، ليعيد لنا ذكرى بطولة أبي الأحرار وموقفه الحازم من الطاغية يزيد بن معاوية، ذلك الصراع الذي دار بين الحقّ والباطل، فقد اندحر الظلم وانتصرت العدالة؛ لأنّ الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.
قيل: لمّا بلغ الحسين(ع) القادسية لقيه الحرّ بن يزيد الرياحيّ 1، فقال له: أين تريد يابن رسول الله ؟ قال: أُريد هذا المصر، فعرّفه بقتل مسلمٍ وما كان من خبره، ثمّ قال: ارجع فإنّي لم أدَعْ خلفي خيراً أرجوه لك. فهمّ بالرجوع، فقال له إخوة مسلم: والله لا نرجع حتّى نُصيب بثأرنا أو نُقتل كلّنا. فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم.
ثمّ سار حتّى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فعدل إلى كربلاء وهو في مقدار خمسمئة فارسٍ من أهل بيته وأصحابه ونحو مئة راجلٍ، فلمّا كثرت العساكر على الحسين(ع) أيقن أنّه لا محيص له، فقال: «اللّهمّ احكم بيننا وبين القوم، دعونا لينصرونا ثمّ هم يقتلونا». فلم يزل يُقاتل حتّى قُتل (رضوان الله عليه). 2
ومَنْ يتعمّق في هذه الفاجعة الرهيبة، ويتصوّر موكب المجد السائر في طريقه نحو التضحية والشهادة، وموقف العبّاس بطل العلقمي في الدفاع عن حرم الحسين ومصرعه الرهيب في كربلاء، يستمدّ منها دروساً وعبراً؛ فمن الشهداء مَنْ يتركون الدنيا لأنّهم لم يصلحوا للبقاء فيها، ومَنْ يخرجون من نعمائها وما دعتهم قطّ للدخول في تلك النعماء.
أمّا شهيد كربلاء فقد ترك الدنيا وهي في يديه، وتركها وهي مقبلة بنعمائها عليه، تركها لأنّه أرادها كما ينبغي أن يرضاها، ولم يقبل أن تريده هي على شرطها كما ترضاه؛ فهو الشهيد ملء