162وزار كربلاء الرحّالة الألماني كارستن نيبور، فوصلها في أواخر أيّام السنة الميلاديّة، وهو يوم 27 كانون الأوّل 1765م، بعد أن استغرق في قطع المسافة بينها وبين الحلّة حوالي سبع ساعات على ظهور الدوابّ، ويقارن نيبور كربلاء بالنجف من حيث كثرة النخيل فيها وازدياد عدد سكّانها، لكنّه يقول: إنّ بيوتها لم تكن متينة البنيان؛ لأنّها كانت تُبنى باللبن غير المشويّ، وكانت البلدة - على ما يظهر ممّا جاء في الرحلة - محاطةً بأسوارٍ من اللبن المجفّف بالشمس أيضاً، كما كانت لها في هذه الأسوار خمسة أبواب، على أنّه وجدَ الأسوار متهدّمةً كلّها في تلك الأيّام الغابرة.
ولا شكّ أنّ أهمّ ما يُلفت نظره في كربلاء الروضة الحسينيّة المطهّرة التي رسم لها رسماً تقريبيّاً خاصّاً استقى تفصيلاته من الدوران حولها والتقرّب إليها، ومن دخوله إليها في إحدى الأمسيات لفترة وجيزة بصحبة الملّا البغداديّ الذي كان معه بعد أن لبس عمامةً تركيّةً مناسبةً في رأسه.
والظاهر أنّه فعل ذلك في موسم أحد الأعياد والزيارات المهمّة؛ لأنّه يقول: إنّ أطراف الحضرة والصحن كانت متنوّرة للشبابيك الكثيرة التي كانت موجودةً فيها، وقد كان ذلك يكاد يكون غريباً في هذه البلاد التي كان يقلّ فيها زجاج النوافذ يومذاك.
وممّا يأتي على ذكره في هذه المناسبة: أنّ الحضرة تقوم في ساحةٍ كبيرةٍ تحيط بها من أطرافها الأربعة مساكن السادة والعلماء على حدّ قوله، ولا شك أنّه يقصد بذلك ساحة الصحن الكبيرة، وكان يوجد بين يدي الباب الأكبر مشمعة و منارة نحاسيّة ضخمة تحمل عدداً من الأضوية، على شاكلة ما كان موجوداً في مشهد الإمام عليّ(ع).
لكنّه يقول: إنّه لم يلاحظ وجود الكثير من الذهب في الروضة الحسينيّة يومذاك، ولا سيّما عندما يقارن ضريح الإمام الحسين(ع) بضريح الإمام عليّ(ع) في هذا الشأن. ويذكر نيبور أيضاً أنّ العبّاس بن عليّ(ع) قد شيّد له جامعٌ كبيرٌ كذلك؛ تقديراً لبطولته التي أبداها في يوم عاشوراء، وتضحيته بنفسه من أجل أخيه.