119
أولاً: موقع البداء من القضاء الإلهي
إنّ المتدبر في الروايات المتقدّمة يجد بوضوحٍ تامٍّ أنّها صريحة الدلالة على أنّ القضاء الإلهي ينقسم إلى قسمين، هما القضاء المحتوم، والقضاء غير المحتوم، وأنّ البداء يقع في القضاء غير المحتوم منهما، وإليك بيان ذلك بشكلٍ موجزٍ:
-القضاء المحتوم
يكون فيه التقدير الإلهي مبرماً، وقضاؤه سبحانه قضاءً قطعياً لا يُردّ ولا يبدّل ولا يتغيّر، وهو الذي يعبّر عنه القرآن الكريم بالسنّة فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّٰهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّٰهِ تَحْوِيلاً [فاطر/ 43].
وبديهيّ أنّ ثبات هذا الضرب من القضاء وعدم تغيّره لا يعني أنّ الله سبحانه عاجز عن أن يبدّله، وإنّما اقتضت حكمته الأزلية أن تكون هذه سنّته وهذا قضاؤه، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: انتقال الإنسان من هذه النشأة الدنوية إلى نشأة أخرى بالموت كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ [العنكبوت/ 57]، ومنها الخلود في الجنة، ومنها أنّ الله كتب على نفسه الرحمة، إلى غير ذلك من الامثلة الكثيرة على هذا النوع من القضاء الإلهي المحتوم الذي لا يُردّ ولا يتبدّل ولا يطاله التغيّر أبداً.
-القضاء غير المحتوم
يكون فيه التقدير الإلهي غير مبرم، وقضاؤه سبحانه