117فهذه العقيدة لا تحسب في عداد الشركيّات، فلكي يصبح الشخص موحّداً لا نشترط أن يكون معتقداً بالوحدة الشخصية للوجود.
إن كل من يعتقد بوجود مخلوقات لله ويعتبرها أفعالاً لله وشؤوناً وتجليّات للذات الإلهية ولا يقول باستقلالها بل يعتقد بكونها مرتبطة ومتعلقة، فهو موحّد.
كما أن الاعتقاد بنظام الأسباب والمسبِّبات هو الآخر لا ينافي الاعتقاد بالتوحيد، وليس صحيحاً أن الموحّد هو من يعتقد أن كل شيء لابد من اعتباره أثراً وفعلاً لله تعالى بالمباشرة. بل إن القبول بمبدأ نظام العلة والمعلولة يؤيّد ويكمّل الاعتقاد بالتوحيد. نعم، الاعتقاد بالاستقلالية في التأثير بالنسبة للموجودات يؤدي إلى الايمان بالتفويض، وهو ما يعتبر شركاً.
ويمكن تمييز وتحليل الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك بصورة جليّة من خلال مسألة «ممكن الوجود» و«واجب الوجود»، و«الفقر الذاتي» اللازم للوجود الممكن.
وعلى هذا فطبقاً للفلسفة الإسلامية لدينا معيار جيد لتشخيص الاعتقادات الشركية عن العقائد التوحيدية، وذاك المعيار هو الاعتقاد بأن الله تعالى هو الموجود المستقل الواجب للوجود فحسب، وأن ما عداه ممكن الوجود ومتعلّق به. فكل من يؤمن بأن موجوداً غير الله له استقلالية في التأثير فهو ذو عقيدة شركية، لكن لو اعتقد فرد ما أنه «لا مؤثر في الوجود إلا الله» وأن جميع الموجودات ممكنة الوجود وفقيرة ومرتبطة بالله تعالى بل هي عين الفقر والتعلّق وأن أي تأثير لها إنما هو بإذن الله، فعقيدة هذا الفرد توحيدية.
تدل الآية الشريفة تَاللّٰهِ إِنْ كُنّٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعٰالَمِينَ 1 على أن الملاك في الشرك هو الاعتقاد بأن هناك موجودات في عَرض الله تعالى ومقابله، بمعنى أن التسوية بين أي موجود مع الله ومساواته له عين الشرك، فعلى سبيل المثال لو رأى شخص أن الأنبياء أو الأئمة(عليهم السلام) أو أي موجود آخر مساوون لله تعالى لكان هذا شركاً، أو اعتقد أن هؤلاء هم الخالقون والمدبرون للعالم بحيث لا يرى أي دور لله تعالى فيه، أو اعتقد أنهم مستقلون في التأثير والشفاعة والنفع والضر لعدّ كل ذلك شركاً.