218لا نكاد نأتي إلى القرن الثالث حتّى نجد المجاز مشتهراً بمعناه الاصطلاحي الذي هو يقابل الحقيقة عند العلماء، فبحثوه وتردد في ساحات العلم.
منهم: ابنقتيبة (ت/ 276ه) عرض في كتابه (تأويل المشكل) باباً سمّاه (القول في المجاز) ثمّ تكلّم عمّن يطعن في القرآن بالمجاز، ثمّ تكلّم أيضاً على الذين يردّون على مَن نفي المجاز وناقشهم نقاشاً كثيراً، وابنقتيبة يُعدّ أوّل رجل بوّب للمجاز التبويب الاصطلاحي المعروف عند المجازيين.
هنالك أيضاً شيخه الجاحظ (ت/ 255ه)، له كتابات في المجاز منتشرة في (الحيوان)، فتناوله وسمّاه (المجاز)، والجاحظ معدود في طائفة الأدباء. وابنقتيبة إلى اللغويين أقرب منه إلى غيرهم.
وكذلك ممن عرض للمجاز من أهل القرن الثالث: الدارمي في كتابه (النقض على بشر المريسي)؛ فإنّه عرض للمجاز في صفحات متعددة من كتابه، وهو معدود في علماء الإسلام الكبار.
والبخاري (ت/ 256ه)(رحمهالله) في كتابه (خلق أفعال العباد) تكلّم عن المجاز في مقابل لفظ (الحقيقة).
وهذا الإيراد للمجاز بمعناه الاصطلاحي في هذه البيئات المختلفة؛ الأدباء، واللغويون، والمحدّثون، وعلماء الشريعة يدل على أنّه كان مشهوراً في القرن الثالث، لاسيما في المنتصف الأوّل منه.
أمّا ما بعد هذا القرن الثالث فإنّ المجاز قد اشتهر واستفاض الحديث فيه وتناوله كثيرون، وجاء بعد ذلك عبدالقاهر الجرجاني وأصّله تأصيلاً في كتابه (أسرار البلاغة).