198وليس المجاز مجرد تلاعُبٍ بالكلام في قفزات اعتباطيّة من استعمال كلمة أو عبارةٍ موضوعةٍ لمعنى، إلى استعمال الكلمة أو العبارة بمعنى كلمة أو عبارةٍ أخرى موضوعة لمعنى آخر، ووضع هذه بدل هذه للدّلالة بها على معنى اللّفظ المتروكِ المستَبْدَلِ به اللفظ الآخر.
بل المجاز حركات ذهنيّة تصِلُ بين المعاني، وتعقِدُ بينها روابط وعلاقاتٍ فكرية تسمح للمعبّر الذكِيّ اللّمّاح بأن يستخدم العبارة التي تدلُّ في اصطلاح التخاطب على معنىً من المعاني ليُدلَّ بها على معنىً آخر، يمكن أن يفهمه المتلقّي بالقرينة اللفظيّة أو الحاليّة، أو الفكريّة 1.
لذا فإنّ تقسيم الكلم إلى حقيقة ومجاز - ليس خاصّاً بالعربية - كما ذهب إلى ذلك جمع من العلماء، بل هو أمر فطري تقتضيه طبيعة اللغات، وتفرضه قرائح المتكلّمين؛ لأنّه خروج بالكلام عن الأصل الذي اطّرد به الاستعمال، وهذا موجود في كلّ لغة، ولاتختص به لغة دون لغة، ولا تختص به أمّة دون أمّة، ومن المعلوم بداهة أنّ هناك طرائق في التعبير، وأساليب مشتبهة بين البشر، وهذه الأساليب المشتركة إنّما هي تتبع الخصائص الموجودة في النوع الإنساني، فطبيعي بعد ذلك أن يكون في كلّ لغة حقيقة ومجاز، والتعبير ب- (القمر) عن الطلعة البهية، وب- (الأسد) عن الرجل الشجاع، هذا لاتختص به هذه اللغة العربية، بل هو موجود في كلّ لغة، نعم اللغة العربية تمتاز بوفرة مجازاتها وبوفرة أساليبها، حتّى اعترف بذلك المستشرقون الذين لهم اطّلاع على لغات واسعة.
وهذا التميّز في مجازات العربية إنّما هو تابع لتميّزها الأصلي ورقيِّها على