279( وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغٰاءَ رِضْوٰانِ اللّٰهِ فَمٰا رَعَوْهٰا حَقَّ رِعٰايَتِهٰا) [الحديد: 27] ومعنى الآية أنهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرّع لهم ذلك العمل، والقرآن يردهم بقوله: ( مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ ).
وقد حذّر المولى تبارك وتعالى وتوعّد بالعذاب هذا الصنف من الناس بما يكذبون على الله تعالى، قال سبحانه: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ ) [البقرة: 79] فقوله: ( هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ ) صريح في أنّهم كانوا يتدّخلون في الشريعة الإلهية فيعرّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله، وهذا يؤكد بأن الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.
وقال تعالى: ( وَ لاٰ تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هٰذٰا حَلاٰلٌ وَ هٰذٰا حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ ) [النحل:16] ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى الله سبحانه، وأنّه تعالى قد جعل منه حلالاً وحراماً، فكان عملهم بدعة في الدين.
كما ويدلّ على ما ذكرناه من أنّ البدعة لا تتحقق بالعمل الفردي والشخصي ما لم تكن عملاً جماعياً، ما جاء في حديث النبي(صلى الله عليه وآله) الذي رواه مسلم في صحيحه وغيره، حيث جاء فيه أنّه قال:
فإنهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً 1.
فعبارة (تبديل الدين) دالة على الجمع؛ لأنّ الدين لا يبدّل بمجرد عزوف شخص عنه وتركه إيّاه للتديّن بدين آخر، أو عدم العمل بأحكامه وتشريعاته، بل ذلك يتحقق عندما يكون العمل جماعي.
إلى هنا خرجنا بنتيجتين: