60قلتُ: خرجتُ يا رسول الله! وأنا كأحدهم، ثمّ رأيتُ أنّ لي على القوم فضلاً، ورجعتُ وأنا أراهم كالعبيد لي.
فقال(ص):
«كذلك الإمارة يا أبا معبد، إلاّ من وقاه الله شرَّها، فخُذ أو دَع».
فقلت: لا جرم، والذي بعثك بالحق يا رسولَ الله! لا أتأمّر على اثنين بعدها أبداً.
قلتُ - يوماً - لأصحاب لي: العجب من قوم مررتُ بهم آنفاً يتمنّون الفتنة، يزعمون ليبتليهم الله فيها بما ابتلى به رسول الله(ص) وأصحابه، وأيم الله، لقد سمعتُ رسول الله(ص) يقول:
«إنّ السعيد لمن جنب الفتن» يردّدها ثلاثاً
«وإن ابتلي فصبر».
وأيم الله، لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم بما يموت عليه بعد حديث سمعتُه من رسول الله(ص) سمعته يقول:
«لقلب ابن آدم أسرع انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياً».
( وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ ). 1
وعقب نزول هذه الآية، سمعتُ رسول الله(ص) يقول:
«ما على ظهر الأرض بيت حجر أو مَدر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل: أما بعزّهم فيجعلهم من أهلها، وأمّا بذلّهم فيدينون بها».
** *
وما عرفتُ الحزنَ واللوعةَ، وألمَ الفراق وقسوته، حتى داهمني الخبر المشئوم (نعي الحبيب رسول الله(ص)) فكان نبأً عظيماً، وفاجعة جسيمة، ما لبثت حتى زلزلة الدنيا، وانتشر دويها في الخافقين... حقّاً، إنّها لصدمةٌ، وكيف لا تكون كذلك وقد وصلت برسول الله(ص) القلوب، وجبلت على حبّه النفوس، واعتادت على التشرّف بطلعته الوجوه، وقد انتشلها من الضلالة إلى الهدى ومن الظلام إلى النور...