185
تنبيه: المقصود من قدرة الله على مثل ما يقوم به الإنسان هي الأفعال التي يصح نسبتها إلى الله عزّ وجلّ، وليس المقصود منها الأفعال القائمة بالفاعل المادي والجسماني كالأكل والشرب وما شابه ذلك؛ لأنّ هذه الأفعال ممّا يتنزّه عنها الله تعالى، وهي خارجة عن البحث.
الإشكال الثالث: 1
إنّ الله تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد.
أي: إذا تعلّقت قدرة الإنسان بشيء فلا يمكن بعد ذلك أن تتعلّق قدرة الله بذلك الشيء.
دليل ذلك:
إذا تعلّقت قدرة الإنسان بشيء، وتعلّقت قدرة الله- في نفس الوقت- فإنّه يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد، وهو محال؛ لأنّ الإنسان قد يريد وقوع الشيء، ويريد الله تعالى عدم وقوعه.
فيكون ذلك الشيء - في نفس الوقت - «واقع» و «غير واقع»، وهذا محال؛ لأنّه من قبيل اجتماع النقيضين.
فيثبت عدم تعلّق قدرة الله بالشيء فيما لو تعلّقت قدرة الإنسان بذلك الشيء.
يرد عليه:
إنّ هذا الإشكال يصحّ فيما لو قلنا بأنّ قدرة الإنسان قدرة مستقلة وقائمة بذاتها، فيؤدّي اجتماعها مع قدرة الله إلى اجتماع النقيضين.
ولكن قدرة الإنسان غير مستقلة، وهي لا تترك أثرها إلاّ بإذن الله، ولهذا لايشكّل فرض اجتماع قدرة الإنسان مع قدرة الله أيّ محذور أبداً؛ لأنّ قدرة الإنسان لوحدها لا تشكّل العلّة التامّة في التأثير، بل لابدّ من وجود إذن إلهي في هذا الصعيد لتترك هذه القدرة أثرها في الواقع الخارجي.