85لا وجه لأن يكون مثل هذا الخبر موجوداً ولم يسمعه غير أبي بكر حتّى نساء النبيّ (ص) وعلي وفاطمة عليهما السلام مع أنّهم كانوا مداومين في ملازمة النبيّ (ص) . وعموماً كيف يبين رسول الله (ص) هذا الحكم بغير ذريته ويخفيه عمّن يرثه ولا يوصي إليهم بذلك حتّى يقعوا في ادّعاء الباطل والتماس الحرام على أنّه صلوات الله وسلامه عليه كان مأموراً خصوصاً في محكم الكتاب بإنذار عشيرته الأقربين؟! وقد أخرج في جامع الأصول حديث شهر بن حوشب عن الترمذي وأبي داود أنّ النبيّ (ص) قال:
«إنّ الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله تعالى ستين سنة ثمّ يحضرهما الموت فيضاران في الوصيّة فيجب لهما النار» ، فأيّ ضرر أعظم من أن يكون النبيّ (ص) كتم ذلك عن وصيه وورثته وأودعه أجنبيّاً لا فائدة له فيه ظاهراً؟! وحاشاه من ذلك، إذ هو رحيم رؤوف بالأباعد، فضلاً عن الأقارب. لا يقال كفى تعريفاً وإعلاماً بذلك الخبر الذي ذكره النبيّ (ص) لأبي بكر من كبار أصحابه لأنّنا نقول: الكفاية ممنوعة لأنّ أبا بكر إنّما غلب على فاطمة عليها السلام بذلك الخبر من حيث أنّه صار خليفةً وقاضياً وادّعى أنّ علمه قد حصل بذلك من الخبر المذكور وعلم القاضي كافٍ في إجراء الحكم، ومن البيّن أنّه لو لم يتفق سوء اختيار القوم على خلافة أبي بكر وكان الخليفة غيره، لما كان لذلك الخبر الواحد حجيّة عنده في إثبات كون تركة النبيّ (ص) صدقة. أمّا عند الخليفة على تقدير كونه غير أبي بكر فلأنّ شهادة الواحد مردودة فضلاً عن روايته في مقام الشهادة، وأمّا عند المدعية أعني فاطمة عليها السلام فقد ظهر
من أنّها قد أنكرت ذلك وغضبت على أبي بكر في حكمه بما ذكر، ولا مجال لأن يقال إنّ النبيّ (ص) لما عيّن أبا بكر للخلافة لم يحتج إلى إظهار ذلك لغيره لأنّ هذا خلاف ما عليه جمهور أهل السنّة من عدم النصّ والتعيين لأحد كما مرّ، على أنّه يجوز أن يكون الحديث الذي تفرّد به أبو بكر من قبيل (الغرانيق العلى) الذي جوّز أهل السنّة اعتماداً عليه إلقاء الشيطان له على لسان النبيّ (ص) وكيف يستبعد إلقاء مثل ذلك له مع ما روى عن أبي بكر من أنّه قال: «إنّ لي شيطاناً يعتريني...» 1 وأمّا قوله: «وإنّما حكم بما سمع من رسول الله(ص)» ففيه أنّ دعوى سماعه منه غير مسموع لما سمعت من اتهامه سابقاً.