45والدنيا، ومن البيّن أنّها لا تحصل لشخص إلّا بعد أن يكون آمناً من الزيادة والنقصان في أحكام الشرع، وإلّا لاختلّت تلك الرئاسة العامّة وانتفت فائدة الإمامة، كما لا يخفى. ولايبعد أن يقال أيضاً إنّ كلا من جواز الاجتهاد وجواز تقليد المجتهد في أيّام غيبة الإمام من باب الرخصة في أكل لحم الميتة عند المخمصة؛ لئّلا تتعطّل الأحكام الشرعيّة، وإنّما الجائز بحسب أصل الشرع هو الاجتهاد في زمن حضور النبيّ أو الإمام عند كونه في ناحية بعيدة عنهما، يمكنه استعلام ما استبهم من الأحكام بالكتابة إليهما ونحوها، إذ مع حضور النبيّ والإمام المعصومين في الأحوال والأقوال يرجع المجتهدون إليهما في مواضع الاشتباه والإشكال وبإعلام كلّ منهما يتمّ اجتناب الخطأ والضلال، فلا يحتاج إلى اعتبار عصمة المجتهد مع حضور النبيّ (ص) والإمام الذي يمكن الرجوع إليه في تحقيق الأحكام والكشف عن مسائل الحلال والحرام. فإن قيل عمدة ما ذكرتم في عصمة الأنبياء والأئمّة إنّ تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض من بعثة الأنبياء وتنصيب الإمام - أعني قبول أقوالهم وامتثال أوامرهم ونواهيهم - فبيّنوا لنا وجه القدح، إذ طال الكلام في هذه المسألة بين الفريقين، قلت لاشكّ إنّ من يجوز عليه الكبائر والمعاصي فإنّ النفس لا تسكن ولا تطمئن إليه، مثلما تطمئن إلى قول من لا يجوز عليه شيء من ذلك جزماً.
قال الشريف المرتضى: «هذا معنى قولنا إنّ وقوع الكبائر والمعاصي منفّر عن القبول والامتثال، والمرجع فيهما إلى العادات، وليس ذلك ممّا يستخرج بالدليل، ومن رجع إلى العادة علم صدق ما ذكرناه فإنّ الكبائر في باب التنفير لا تنحطّ عن المهاجاة الّتي تدلّ على خسّة
صاحبها، ولا خلاف في أنّها ممتنعة منهم عليهم السلام ، فإن قيل أوليس قد جوّز كثير من الناس الكبائر على الأنبياء والأئمّة ومع ذلك لم ينفروا عن قبول أقوالهم وامتثال أوامرهم، وهذا يناقض قولكم إنّ الكبائر منفّرة؟! قلنا هذا كلام من لم يعرف معنى التنفير إذ لم نرد به ارتفاع التصديق والامتثال رأساً، بل ما ذكرناه من عدم سكون النفس وحصول الاطمينان، ولا يشكّ عاقل في أنّ النفس حال عدم تجويز الكبائر أقرب منها إلى ذلك عند تجويزها، وقد