40ومن العجائب أنّ ابن أبي الحديد المعتزلي خالف هنا مقتضي ما أجمع عليه من القول بالحسن والقبح العقليين ونسب هذا التقديم إلى الله عزّ وجل فقال في خطبة شرحه لنهجالبلاغة «وقدّم المفضول على الفاضل لمصلحة اقتضاها التكليف»، 1 وهذا في غاية الغرابة منه؛ لأنّه نسب ما هو قبيح عقلاً إلى الله عزّ وجل، مع أنّه عدلىّ المذهب، فقد خالف مذهبه، ولهذا حمل الشكايات الواردة من علي (ع) عن الصحابة، والتظلّم منهم في الخطبة الموسومة بالشقشقيّة وغيرها على ذلك، ولا يخفى أنّ الحمل على ذلك ممّا لا وجه له سوى التحامل على علي (ع) لأنّ هذا التقديم إنْ كان من الله تعالى، لم يصحّ من علي (ع) الشكاية مطلقاً؛ لأنّها حينئذ تكون ردّاً على الله، والردّ عليه على حدّ الكفر، وإنْ كان من الخلق، فإن كان هذا التقديم لمصلحة المكلّفين وعلم بها جميع الخلق غير علي (ع) ، فقد نسبه (ع) إلى الجهل بما عرفه عامّة الخلق، وإنْ كان لا لمصلحة كان تقديماً بمجرّد التّشهي فلم تكن الشكاية على الوجه الذي توهّمه، فلا وجه لحملها عليه. هذا والعقل والنقل كما أشرنا إليه دالّ على قبح ذلك.
أمّا العقل فظاهر، وأمّا النقل فلأنّ القرآن نصّ على إنكار ذلك، حيث قال تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ، 2 وقال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ . 3
ثمّ أقول يمكن أن يستدلّ على عدم جواز تفضيل المفضول بقول أبي بكر: «أقيلوني فإنّي وليتكم ولست بخيركم وعلىّ فيكم» 4 فاحفظ هذا وتأمّله جيّداً.
ثالثاً: إنّ قوله «والمعنى في ذلك أنّ غير الأفضل قد يكون أقدر منه...» فيه أنّه إنْ عنى بالأقدر المذكور فيه أنّه لا يعرف مصالح الدين لكنّه أقدر على إقامتها، فهذا لا يسمن