104والحقيقة هي على خلاف ما يتصوّره أهل السنّة من أنّ التقيّة هي عدم قول الحقّ، بل هي قول الحقّ في المكان والزمان المناسبين «فإن لكل مقام مقالاً». ويؤيد القرآن الكريم هذه النظرية في قوله تعالى: وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 1، بل في مكان آخر يصرّح تعالى بالقول: لاٰ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّٰهِ فِي شَيْءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللّٰهِ الْمَصِيرُ . 2 الطريف أنّ البخاري يذهب إلى أنّ المراد من هذه الآية هو التقيّة! 3
ويقول تعالى في آيةٍ أُخرى: مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّٰهِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ . 4 هذه الآية تستثني من آمن قلبه واضطرّ إلى إظهار الكفر حفاظاً على نفسه، من سخط الله تعالى، وهي دليلٌ صريحٌ على جواز التقيّة وضرورتها.
وقد روى أهل السنّة في تفسير هذه الآية عن ابن عبّاس قوله: أخبر الله أن من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وأمّا من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه؛ إنّ الله إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. 5
وقد خصّص البخاري في صحيحه باباً خاصاً للإكراه ذكر فيه جواز