311وليس المقصود بالمثليّة هنا أنّه لا يوجد له مِثل فقط في الذات، بل أيضاً في الصفات وفي الأفعال، والمعنى الأوسع والأشمل أنّه ليس كمثل صفاته صفات المخلوقين، أو صفات الخلق ليست كصفات المخلوقين، وليست ذاته كذات المخلوقين، وليس فعله كفعل المخلوقين.
ولتوضيح التمايز وعدم المثليّة بين الخالق والمخلوق نضرب المثال التالي:
نحن البشر عندما نريد القيام بأيّ عملٍ، فإنّنا نحتاج إلى الأدوات والآلات، وإلى الزمان والمكان والحيّز والجهة، ويشار إلينا بالإشارة الحسيّة.
وهذه الأمور قطعاً لا تنطبق على الله تعالى وعلى فعله، وإلاّ لو وجد شيء منها للزم المثليّة.
فعندما نقول بأنّ هذا الكتاب يُباين ويتمايز عن هذا الكتاب، فبماذا
يتمايز؟ إنّه يتمايز بحجمه ومكانه وجهته و....
وعندما نقول بتمايز الله تعالى عن مخلوقاته، لا نعني بهذا التمايز نفس المعنى الذي قلناه في مثال الكتاب، وإلاّ لكان تعالى مثل خلقه، وصار بالتالي مثله شيء.
وهذا ما اشتبه فيه أتباع مدرسة التجسيم حيث تصوّروا أنّ الله يتمايز عن خلقه كما يتمايز مخلوق عن مخلوق آخر، فوقعوا في شبهة أنّه تعالى له مكانٌ وجهة وعلوّ و....
فالطريق الصحيح لمعرفة الله تنزيهه سبحانه وتعالى عن كلّ مخلوقاته، فإذا كان في المخلوق مكان فالحقّ ليس له مكان، وإذا كان في المخلوق زمان فالحقّ منزّه عن الزمان، وهكذا في سائر الأمور كالوجه والرِّجل والصور و... فهذه كلّها موجودة في المخلوقات، ولذا لابدّ من تنزيه الخالق عنها.
وقد التفت كبار علماء التفسير من القدامى والمعاصرين إلى هذا الأصل