16ما يتميّز به الإنسان عن غيره, فلو دخلنا بعملية مقارنة بين الإنسان والموجودات الأخرى لرأينا أنّ هناك عدداً من العناصر المشتركة بينهما, كما أنّ هناك أمراً يميّز الإنسان عن بقيّة الموجودات. لو بدأنا بعنصر الجسميّة وأن الإنسان جسم من الأجسام, لرأينا أنّ هذا ليس ممّا يختص بالإنسان, بل هو عنصر مشترك بين جميع الموجودات الماديّة. فما من موجود مادّي إلَّا وله جسم, وله طول وعرض وعمق ونحو ذلك. ولو لاحظنا في عمليّة المقارنة عنصر النموّ لرأيناه لا يختصّ بالإنسان وحده, بل هو عنصر مشترك موجود في الحيوان والنبات أيضاً.
كذا الحال لو انطلقنا من عنصر التحرّك الإرادي، فيما يقال عن الإنسان - في المنطق - من أنّه جسم حسّاس متحرّك بالإرادة, فإنّ هذا أيضاً لا يختصّ بالإنسان وحده بل الحيوانات هي الأخرى موجودات متحرّكة بتحرّك إراديّ؛ لذلك راح المناطقة والفلاسفة يبحثون عمّا يميّز الإنسان عن غيره فيما وراء هذه العناصر المشتركة, فاستقرّوا على النطق عندما ذكروا في حقيقة الإنسان أنّه حيوان ناطق.
ومع اختلافهم في تحديد المراد من النطق؛ أهو القابلية على التكلّم والحديث, أم القابليّة على إدراك المفاهيم الكليّة؟ بعبارة أخرى: أهو أمرٌ مرتبط بنطق الإنسان وتكلّمه اللساني, أم بتعقّله وإدراكه؟ بغضّ النظر عن هذا كلّه, وسواء كان المراد هذا أو ذاك, فقد اتّفقوا على أنّ ما يميّز الإنسانَ عن غيره من الموجودات - كالحجر والشجر والبقر والغنم والسماء والأرض - لا يتمثّل في عناصره الجسميّة أو النموّ أو الحركة الإراديّة ونحو ذلك, وإنّما يكمن بتلك الحقيقة التي أطلقوا عليها خاصّة النُّطق.
هذه الحقيقة التي تميِّز الإنسان عن غيره هي التي يعبَّر عنها بهويّة الإنسان