90
وَ هَذِهِ اَلْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ ع حَتَّى لَقَدِ اِبْتَذَلَهَا اَلْعَامَّةُ وَ هِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ اَلتَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَ فَهِمَ مَا فِيهَا فَلَوِ اِجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا اَلتَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ بِأَبِي وَ أُمِّي مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَ لَوْ لاَ إِبَانَتُهُ ع مَا عَلِمَ اَلنَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ اَلتَّوْحِيدِ أَ لاَ تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِهِ لاَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لاَ مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى بِقَوْلِهِ لاَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَعْنَى اَلْحُدُوثِ وَ كَيْفَ أَوْقَعَ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ صِفَةَ اَلْخَلْقِ وَ اَلاِخْتِرَاعِ بِلاَ أَصْلٍ وَ لاَ مِثَالٍ نَفْياً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ اَلْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ إِبْطَالاً لِقَوْلِ اَلثَّنَوِيَّةِ اَلَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لاَ يُحْدِثُ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ أَصْلٍ وَ لاَ يُدَبِّرُ إِلاَّ بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ فَدَفَعَ ع بِقَوْلِهِ لاَ مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ جَمِيعَ حُجَجِ اَلثَّنَوِيَّةِ وَ شُبَهِهِمْ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَعْتَمِدُ اَلثَّنَوِيَّةُ فِي حُدُوثِ اَلْعَالَمِ أَنْ يَقُولُوا لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اَلْخَالِقُ خَلَقَ اَلْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنْ لاَ شَيْءٍ فَقَوْلُهُمْ مِنْ شَيْءٍ خَطَأٌ وَ قَوْلُهُمْ مِنْ لاَ شَيْءٍ مُنَاقَضَةٌ وَ إِحَالَةٌ لِأَنَّ مِنْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ لاَ شَيْءٍ تَنْفِيهِ فَأَخْرَجَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ع هَذِهِ اَللَّفْظَةَ عَلَى أَبْلَغِ اَلْأَلْفَاظِ وَ أَصَحِّهَا فَقَالَ لاَ مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى مِنْ إِذْ كَانَتْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ نَفَى اَلشَّيْءَ إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقاً مُحْدَثاً لاَ مِنْ أَصْلٍ أَحْدَثَهُ اَلْخَالِقُ كَمَا قَالَتِ اَلثَّنَوِيَّةُ إِنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ فَلاَ يَكُونُ تَدْبِيرٌ إِلاَّ بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ ثُمَّ قَوْلُهُ ع- لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ وَ لاَ حَدٌّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ اَلْأَمْثَالُ كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اَللُّغَاتِ فَنَفَى ع أَقَاوِيلَ اَلْمُشَبِّهَةِ حِينَ شَبَّهُوهُ بِالسَّبِيكَةِ وَ اَلْبِلَّوْرَةِ وَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مِنَ اَلطُّولِ وَ اَلاِسْتِوَاءِ وَ قَوْلَهُمْ مَتَى مَا لَمْ تَعْقِدِ اَلْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى إِثْبَاتِ هَيْئَةٍ لَمْ تَعْقِلْ شَيْئاً فَلَمْ تُثْبِتْ صَانِعاً فَفَسَّرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ع أَنَّهُ وَاحِدٌ بِلاَ كَيْفِيَّةٍ وَ أَنَّ اَلْقُلُوبَ تَعْرِفُهُ بِلاَ تَصْوِيرٍ وَ لاَ إِحَاطَةٍ
الأمد أي الغاية و النهاية، أو امتداد الزمان
"و بعد صروف الأمور"
أي تغيرها و فناؤها و هذا ناظر إلى قوله: لا يزال، كما أن ما قبله ناظر إلى قوله لم يزل.
قوله: لقد ابتذلها،
أي اشتهرت بينهم، فكأنها صارت مبتذلة، و لو لا إبانته،