34
وَ تَفَهَّمُوهُ بِإِذْنِ اَللَّهِ - مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اَللَّهَ بِحِجَابٍ أَوْ بِصُورَةٍ أَوْ بِمِثَالٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ لِأَنَّ حِجَابَهُ وَ مِثَالَهُ وَ صُورَتَهُ غَيْرُهُ وَ إِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ مُتَوَحِّدٌ فَكَيْفَ يُوَحِّدُهُ مَنْ زَعَمَ
قوله عليه السلام: من زعم أنه يعرف الله بحجاب.
أي بالأسماء التي هي حجب بين الله و بين خلقه، و وسائل بها يتوسلون إليه، بأن زعم أنه تعالى عين تلك الأسماء أو الأنبياء أو الأئمة عليهم السلام، بأن زعم أن الرب تعالى اتحد بهم أو بالصفات الزائدة فإنها حجب عن الوصول إلى حقيقة الذات الأحدية أو بأنه ذو حجاب كالمخلوقين "أو بصورة" أي بأنه ذو صورة كما قالت المشبهة، أو بصورة عقلية زعم أنها كنه ذاته و صفاته تعالى "أو بمثال" أي خيالي أو بأن جعل له مماثلا و مشابها من خلقه "فهو مشرك" لما عرفت مرارا من لزوم تركبه تعالى و كونه ذا حقائق مختلفة، و ذا أجزاء، تعالى الله عن ذلك.
و يحتمل أن يكون إشارة إلى أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقته تعالى بوجه من الوجوه لا بحجاب و رسول يبين ذلك، و لا بصورة عقلية و لا خيالية، إذ لا بد بين المعرف و المعرف من مماثلة و جهة اتحاد، و إلا فليس ذلك الشيء معرفا أصلا، و الله تعالى مجرد الذات عن كل ما سواه، فحجابه و مثاله و صورته غيره من كل وجه، إذ لا مشاركة بينه و بين غيره في جنس أو فصل أو مادة أو موضوع أو عارض، و إنما هو واحد موحد فرد عما سواه، فإنما يعرف الله بالله إذا نفي عنه جميع ما سواه، و كلما وصل إليه عقله كما مر أنه التوحيد الخالص.
و قال بعض المحققين: من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال أي بحقيقة من الحقائق الإمكانية كالجسم و النور أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما أسند إلى القائلين بالصورة أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة فهو مشرك، لأن الحجاب و الصورة و المثال كلها مغايرة له غير محمولة عليه، فمن عبد الموصوف بها عبد غيره، فكيف يكون موحدا له عارفا به، إنما عرف الله من عرفه بذاته و حقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يكون يعرف غيره.