267
فَإِنَّمَا أَقَامَ اَللَّهُ اَلْقَلْبَ لِشَكِّ اَلْجَوَارِحِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْقَلْبِ وَ إِلاَّ لَمْ تَسْتَيْقِنِ اَلْجَوَارِحُ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مَرْوَانَ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ جَوَارِحَكَ حَتَّى جَعَلَ لَهَا إِمَاماً يُصَحِّحُ لَهَا اَلصَّحِيحَ وَ يَتَيَقَّنُ بِهِ مَا شُكَّ فِيهِ وَ يَتْرُكُ هَذَا اَلْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي حَيْرَتِهِمْ وَ شَكِّهِمْ وَ اِخْتِلاَفِهِمْ لاَ يُقِيمُ لَهُمْ إِمَاماً يَرُدُّونَ إِلَيْهِ شَكَّهُمْ وَ حَيْرَتَهُمْ وَ يُقِيمُ لَكَ إِمَاماً لِجَوَارِحِكَ تَرُدُّ إِلَيْهِ حَيْرَتَكَ وَ شَكَّكَ قَالَ فَسَكَتَ وَ لَمْ يَقُلْ لِي شَيْئاً
و السمع يسمع الصوت الواحد عند الجبل و نحوه مما فيه صلابة أو صقالة صوتين، لانعكاس الهواء المكيف بكيفية السمع إلى الصماخ تارة أخرى، و يقال للصوت الثاني:
الصداء، و كما تجد الذائقة الحلو مرا لغلبة المرة الصفراء على جرم اللسان، و كذا تشمئز الشامة من الروائح الطيبة بالزكام، فهذه و أمثالها أغلاط حسية يعرف القلب حقيقة الأمر فيها.
و قيل: معناه أن النفس مع هذه القوي الحسية الظاهرة، تحتاج إلى قوة حاكمة عليها، إذ من شأنها من حيث هذه القوي هذه الإدراكات التصورية دون التصديقات و اليقينيات، فلا يستيقن إلا بقوة أخرى هي الحاكمة باليقينيات، و هي القوة التي بها تخرج عن الشك إلى اليقين، فإنما أقام الله القلب بإعطاء هذه القوة لتخرج بها النفس عن تلك المرتبة التي شأنها بحسبها الشك و عدم الاستيقان إلى مرتبة اليقين، ثم إذا كان بحكمته لا يخل بإعطاء ما تحتاج إليه نفسك في وصولها إلى كمالها القابلة، كيف يخل بما يحتاج إليه الخلق كلهم، لخروجهم عن حيرتهم و شكهم إلى الاستيقان بما فيه بقاؤهم و نجاتهم عن الضلال و الهلاك، فأول هذا الكلام تنبيه على حكمته المقتضية للصلاح و الخير و إعطاء ما يحتاج إليه المستكمل في الخروج من النقصان إلى الكمال، و الوصول إلى النجاة عن الضلال، و آخره الاستدلال من تلك الحكمة على إقامة الإمام الذي إنما يحصل نجاة الخلق عن حيرتهم و شكهم بمعرفته، و الأخذ عنه، و الاهتداء بهداه.