222
. . . . . . . . . .
إنما نعرفه بما عرفنا الله على لسان أنبيائه و حججه صلوات الله عليهم، أو يقال:
المراد بها معرفة الأحكام الفرعية لعدم استقلال العقل فيها، أو المعنى أنها إنما تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب، و ذهب الحكماء إلى أن العلة الفاعلية للمعرفة تصوريا كان أو تصديقيا، بديهيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو نظريا، شرعيا كان أو غيره، إنما يفيض من الله تعالى في الذهن بعد حصول استعداد له بسبب الإحساس أو التجربة أو النظر و الفكر و الاستماع من المعلم أو غير ذلك، فهذه الأمور معدات و العبد كاسب للمعرفة لا موجد لها، و الظاهر من أكثر الأخبار أن العباد إنما كلفوا بالانقياد للحق و ترك الاستكبار عن قبوله، فأما المعارف فإنها بأسرها مما يلقيه الله سبحانه في قلوب عباده بعد اختيارهم للحق، ثم يكمل ذلك يوما فيوما بقدر أعمالهم و طاعاتهم حتى يوصلهم إلى درجة اليقين، و حسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيين و أئمة الدين في تكميل أممهم و أصحابهم فإنهم لم يحيلوهم على الاكتساب و النظر، و تتبع كتب الفلاسفة و غيرهم، بل إنما دعوهم أولا إلى الإقرار بالتوحيد و سائر العقائد، ثم إلى تكميل النفس بالطاعات و الرياضات، حتى فازوا بما سعدوا به من أعالي درجات السعادات.
قال الفاضل المحدث أمين الدين الأسترآبادي في الفوائد المدنية: قد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوة متصلة إلى النبي صلى الله عليه و آله بأن معرفة الله بعنوان أنه الخالق للعالم، و أن له رضا و سخطا، و أنه لا بد من معلم من جهته تعالى ليعلم الخلق ما يرضيه و ما يسخطه من الأمور الفطرية التي وقعت في القلوب بإلهام فطري إلهي، و ذلك كما قالت الحكماء: الطفل يتعلق بثدي أمه بإلهام فطري الهي، و توضيح ذلك أنه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم و ألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثم أرسل إليهم الرسول و أنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه و نهى فيه، و بالجملة لم يتعلق وجوب و لا غيره من التكليفات إلا بعد بلوغ خطاب الشارع، و معرفة الله قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق إلهام بمراتب، و كل من بلغته