208
. . . . . . . . . .
يقول عاقل أنه جبره على الفعل، و أما فعل ذلك بالنسبة إلى قوم و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم أو إلى شيء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه، بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثم عذبهم عليها، كما يلزم الأولين، و لا عزله تعالى من ملكه و استقلال العباد، بحيث لا مدخل لله في أفعالهم، فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين.
و يدل على هذا الوجه أخبار كثيرة كالخبر الأول لا سيما مع التتمة التي في الاحتجاج، و الخبر الثامن و الثالث عشر من هذا الباب، بل أكثر أبواب 1هذا الباب، و الأبواب السابقة و اللاحقة، و به يمكن رفع التنافي بينها كما أومأنا إليه في بعضها، و قد روي في الاحتجاج و تحف العقول فيما أجاب به أبو الحسن العسكري عليه السلام في رسالته إلى أهل الأهواز حيث قال عليه السلام: قال الصادق عليه السلام: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين، قيل: فما ذا يا بن رسول الله؟ قال: صحة العقل و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه و أنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته و تحقيق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق.
ثم قال عليه السلام: فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله:
" وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً 2"و قوله جل ذكره: " ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اَللّٰهَ لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ 3"مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد