134
. . . . . . . . . .
أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب و لرجع عامة الناس عن الإسلام و لكن قالوا ما أسرعه و ما أقربه تألفا لقلوب الناس و تقريبا للفرج.
و قد ذكرنا كثيرا من الأخبار في ذلك في كتاب بحار الأنوار في كتاب النبوة، لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى و شعياء عليهم السلام، و في كتاب الغيبة.
فأخبارهم عليهم السلام بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات و المتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم، ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها و بيانها، و قولهم يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا، و إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه و لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، و قد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل عليه السلام من الكتاب المذكور.
فمعنى قولهم عليهم السلام: ما عبد الله بمثل البداء، أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية لصعوبته و معارضته الوساوس الشيطانية فيه، و لكونه إقرارا بأن له الخلق و الأمر، و هذا كمال التوحيد، أو المعنى أنه من أعظم الأسباب و الدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت، و كذا قولهم ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين و إن كان الأول فيه أظهر.
و أما قول الصادق عليه السلام: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه، فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شيء من مطالبهم، و ما تضرعوا إليه و ما استكانوا لديه، و لا خافوا منه، و لا رجوا إليه إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه، و أما إن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق، فظهر أن