129
. . . . . . . . . .
و قد قيل فيه وجوه أخر:
الأول: ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه في نبراس الضياء حيث قال:
البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي، و البداء كأنه نسخ تكويني، و لا بداء في القضاء، و لا بالنسبة إلى جناب القدس الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية، و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله، و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد، و ظرف التدريج و التعاقب، و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية، و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء اتصال الإفاضة، و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله "انتهى".
الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا:
و هو أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر، فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى، و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب، و لم يحصل لها