108
عَلَى اَلْعَرْشِ بِغَيْرِ زَوَالٍ وَ اَلْمُتَعَالِي عَلَى اَلْخَلْقِ بِلاَ تَبَاعُدٍ مِنْهُمْ وَ لاَ مُلاَمَسَةٍ مِنْهُ لَهُمْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَى حَدِّهِ وَ لاَ لَهُ مِثْلٌ فَيُعْرَفَ بِمِثْلِهِ ذَلَّ مَنْ تَجَبَّرَ غَيْرَهُ وَ صَغُرَ مَنْ
الكبر و العظم و الجلالة و نحوها لا تكون إلا في الأجساد و الأشباح ذوات المقادير و الأوضاع، و لا شك أنه سبحانه منزه عن الجسمانيات و صفاتها، فنبه على أن كبريائه و جلاله على وجه أعلى و أشرف مما يوجد في المحسوسات و المتمثلات.
قوله: بلا زوال 1
أي بغير استواء جسماني يلزمه إمكان الزوال أو لا يزول اقتداره و استيلاؤه أبدا "المتعالي عن الخلق" بالشرف و العلية و التنزه عن صفاتهم، لا بما يتوهم من تراخي مسافة بينهما كالفلك بالنسبة إلى الأرض أو بمماسة كالماء و الهواء بالنسبة إليهما أو قوله ع: و لا ملامسة نفي لما يتوهم من نفي التباعد من تحقق الملامسة و نحوها، قضية للتقابل بينهما قياسا على الجسمانيات، فإن المتقابلين كليهما منفيان عنه و إنما يتصف بأحدهما ما يكون قابلا للاتصاف بهما، كما يقال: الفلك ليس بحار و لا بارد، و الجدار ليس بأعمى و لا بصير "ليس له حد ينتهي إلى حده" أي الحدود الجسمانية فينتهي هو إلى حده على بناء الفاعل أو الحد المنطقي فينتهي على بناء المفعول إلى تحديده به أو لأحد لتوصيفه و نعته، بل كلما بالغت فيه فأنت مقصر.
"ذل من تجبر غيره"
قوله: غيره، حال عن فاعل تجبر و كذا قوله: دونه، حال عن فاعل تكبر و الضميران راجعان إليه سبحانه، أي ذل له كل من تجبر غيره، فإن كل ما يغايره ممكن مخلوق ذليل للخالق الجليل.
"و صغر"
كل "من تكبر دونه" فإن جميع ما سواه موصوف بالصغار أو الصغر لدى خالقه الكبير المتعال، أو المعنى أن عز المخلوق و رفعته إنما يكون بالتذلل و الخضوع اللائقين به، و بهما يكتسب إفاضة الكمال من خالقه فإذا تجبر و تكبر استحق الحرمان و الخذلان فيزداد صغرا إلى صغره، و ذلا إلى ذلة، فلا يرتفع من درجة