195صلاحيّة الطواف في محلّة الحريّة.
من هذا كلّه، وضع الله سبحانه مكاناً مقدّساً بظروف مناطقيّة غير ملائمة ليجعله مركزاً للاختبار في سياق إيجاد التناغم بين التكوين والتشريع، حتّي يتمكّن الخلق من التخلّص من الملوّثات والتعلّقات والأقذار والتطهّر من الخبائث والنجاسات في رياضاتهم الممدوحة التي تتمّ من خلال محرّمات الإحرام، وكذلك عبر مناسك الحجّ والعمرة. 1
وكأنموذج علي الاختبار المذكور، جري تحريم الاستفادة من العطور والروائح الجميلة حال الإحرام من جهة، كما منع - من جهة اخري - من إغلاق الأنف ووضع اليد عليه عندما يحتكّ الإنسان حال أداء مناسك الحجّ والعمرة أو يجالس أشخاصاً تفوح منهم الرائحة الكريهة، وكذلك عند العبور من مكان ذبح الأضاحي... إنّ مثل هذه الاُمور تكسر أنانيّة الإنسان وعنجهيّته وكبرياءه وتفاخره، بحيث تحوّله بعد إنجاز أعمال الحجّ والعمرة إلي عبد حرّ مُنعتق لله.
هذه الدورة البانية للإنسان، تؤثّر تأثيراً كبيراً في المجتمع، فاُولئك الذين لميكونوا ليتورّعوا عن أكل العظاية في عصر الجاهليّة الوحشي، وكانوا يتسابقون في اصطياد هذا الحيوان، أصبحوا الآن يترفّعون عن ظبي الصحراء، حتّي تمكّنوا في عصر التمدّن الإسلامي من الانتصار علي كلّ الميول والرغبات الذاتيّة بتأثير من الأوامر الإلهيّة.
لدورة الإحرام الغنيّة بالمُعطيات تأثيرٌ كبير علي بناء الشخصيّة الإنسانيّة، تشاهد نتائجها العمليّة الرائعة في المجتمع المعتقد والملتزم بمحتوي الحجّ والزيارة.